محمود سالم محمد

237

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

المعجزات ، وكأن همّ أصحابها هو أن ينظموا فيها كل ما ذكرته كتب السيرة والخصائص ، مثل القصيدة الشقراطيسية التي مرّت معنا . أما البوصيري ، فإنه لا يسرد المعجزات سردا ، بل ينثرها في قصيدته ، ويظهر ما يراه فيها ، ومشاعره نحو صاحبها ، وربما أوردها في باب المقارنة بين معاملة أهل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم له ، وبين تعاطف الطبيعة معه ، مظهرا المعجز في ذلك ، وقد يورد بعض هذه المعجزات للدلالة على مكانة رسول اللّه ، وإثباتا لنبوته ، وخاصة عندما يجادل أهل الكتاب ، فبعد إحدى هذه المجادلات ، قال : عجبا لهم لم ينكرون نبوّة * ثبتت ولم ينفخ بادم روح أعجبت أن غدت الغمامة آية * لمحمّد يغدو بها ويروح أو أن أتت سرح إليه مطيعة * فكأنّما أتت الرّياض سروح « 1 » ولمنبع الماء المعين براحة * راح الحصى وله بها تسبيح وبأن يرى الأعمى وتنقلب العصا * سيفا ويحيا الميت وهو طريح وبأن يفيض له ويعذب منهل * قد كان مرّا ماؤه المنزوح يا برد أكباد أصاب عطاشها * ماء بريق محمّد مجدوح « 2 » والبوصيري يدافع عن هذه المعجزات وصحتها ، لأن العقل يتوافق فيها مع النص ، فيقول : وكم أتت عن رسول اللّه بيّنة * في فضلها وافق المنقول معقول

--> ( 1 ) سروح : دواب سارحة . ( 2 ) ديوان البوصيري : ص 104 .